فخر الدين الرازي
62
تفسير الرازي
الشيطان إن كان شيطاناً آخر لزم التسلسل . وإن كان هو الله تعالى فهو المطلوب . ثم قال تعالى : * ( فهو وليهم اليوم ) * وفيه احتمالان : الأول : أن المراد منه كفار مكة وبقوله : * ( فهو وليهم اليوم ) * أي الشيطان ويتولى إغواءهم وصرفهم عنك ، كما فعل بكفار الأمم قبلك فيكون على هذا التقدير رجع عن أخبار الأمم الماضية إلى الأخبار عن كفار مكة . الثاني : أنه أراد باليوم يوم القيامة ، يقول فهو ولي أولئك الذين كفروا يزين لهم أعمالهم يوم القيامة ، وأطلق اسم اليوم على يوم القيامة لشهرة ذلك اليوم ، والمقصود من قوله : * ( فهو وليهم اليوم ) * هو أنه لا ولي لهم ذلك اليوم ولا ناصر ، وذلك لأنهم إذا عاينوا العذاب وقد نزل بالشيطان كنزوله بهم ، ورأوا أنه لا مخلص له منه ، كما لا مخلص لهم منه ، جاز أن يوبخوا بأن يقال لهم : هذا وليكم اليوم على وجه السخرية ، ثم ذكر تعالى أن مع هذا الوعيد الشديد أقام الحجة وأزاح العلة فقال : * ( وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : المعنى : أنا ما أنزلنا عليك القرآن إلا لتبين لهم بواسطة بيانات هذا القرآن الأشياء التي اختلفوا فيها ، والمختلفون هم أهل الملل والأهواء ، وما اختلفوا فيه ، هو الدين ، مثل التوحيد والشرك والجبر والقدر ، وإثبات المعاد ونفيه ، ومثل الأحكام ، مثل أنهم حرموا أشياء تحل كالبحيرة والسائبة وغيرهما وحللوا أشياء تحرم كالميتة . المسألة الثانية : اللام في قوله : * ( لتبين ) * تدل على أن أفعال الله تعالى معللة بالأغراض ، ونظيره آيات كثيرة منها قوله : * ( كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس ) * ( إبراهيم : 1 ) وقوله : * ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) * ( الذاريات : 56 ) . وجوابه : أنه لما ثبت بالعقل امتناع التعليل وجب صرفه إلى التأويل . المسألة الثالثة : قال صاحب " الكشاف " قوله : * ( هدى ورحمة ) * معطوفان على محل قوله : * ( لتبين ) * إلا أنهما انتصبا على أنه مفعول لهما ، لأنهما فعلا الذي أنزل الكتاب ، ودخلت اللام في قوله : * ( لتبين ) * لأنه فعل المخاطب لا فعل المنزل ، وإنما ينتصب مفعولاً له ما كان فعلاً لذلك الفاعل . المسألة الرابعة : قال الكلبي : وصف القرآن بكونه هدى ورحمة لقوم يؤمنون ، لا ينفي كونه كذلك في حق الكل ، كما أن قوله تعالى في أول سورة البقرة : * ( هدى للمتقين ) * ( البقرة : 2 ) لا ينفي كونه هدى لكل الناس ، كما ذكره في قوله : * ( هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان ) * ( البقرة : 185 ) وإنما خص المؤمنين بالذكر من حيث إنهم قبلوه فانتفعوا به ، كما في قوله : * ( إنما أنت منذر من يخشاها ) * ( النازعات : 45 ) لأنه إنما انتفع بإنذاره هذا القوم فقط ، والله أعلم .